ابو القاسم عبد الكريم القشيري

26

لطائف الإشارات

أنه سني حريص على سنيته بقدر ما هو صوفي حريص على صوفيته ، فكان عليه أن يرضى أوساط أهل السنة في الوقت الذي كان عليه أن ينفع الصوفية ، وأن يوضح لكلا الطرفين أن الأصول والفروع في الحالين مستمدة من كتاب اللّه الكريم . ولقد أعان القشيري في عمله أنه صنّف قبل « اللطائف » كتابا كاملا في تفسير القرآن على نحو تقليدى هو « التيسير في التفسير » - الذي حصلنا على مصورة للجزء الخامس منه من أكاديمية العلوم السوفيتية - ونجده في « التيسير » يعنى أشد العناية باللغة والاشتقاق والنحو وأسباب النزول والأخبار والقصص . وقد صنّفه قبل أن يلتقى بشيخه الدقاق أي قبل أن يسلك المسلك الصوفي ، فأعانه ذلك على أن يفقه العبارة من معظم زواياها المتصلة بالظاهر ، حتى إذا بدأ يكتب « اللطائف » كان طريقه إلى الإشارة وإلى فقه الباطن ممهدا ، ومناله ميسورا ، وآفاقه مفتّحة . سار القشيري في « اللطائف » على خطة واضحة محددة التزم بها من أول الكتاب إلى آخره ، فهو يبدأ بتفسير البسملة كلمة كلمة ، وأحيانا حرفا حرفا ، والبسملة تتكرر بلفظها في مفتتح كل سورة ، ومع ذلك فإننا نجده يلجأ إلى تفسير كل بسملة على نحو ملفت للنظر ؛ إذ هي تختلف وتتنوع ولا تكاد تتشابه ، ويزداد إعجابنا بالقشيري كلّما وجدنا تفسير البسملة يتمشى مع السياق العام للسورة كلّها ، فاللّه والرحمن والرحيم لها دلالات خاصة في سورة القارعة ، ولها دلالات أخرى في سورة النساء ولها دلالات خاصة في الأنفال وهكذا . . . ونستنتج من ذلك عدّة نتائج : أولا : أنه يعتبر البسملة قرآنا ؛ وليست كما يقول البعض - شيئا يستفتح به للتبرك ، شأن ما نصنع في بداية أقوالنا وأفعالنا ( انظر « المغني » للقاضي عبد الجبار المتوفى سنة 415 ه ج 11 ط وزارة الثقافة ( تراثنا ) ص 161 ) . ثانيا : أنه ما دام يعتبر البسملة قرآنا ، وما دام يجد لها مقاصد متجددة ، فكأنه لا يؤمن بفكرة التكرار في القرآن ، وفي ذلك يقول في الورقة الثالثة من